السيد حسن القبانچي
51
شرح رسالة الحقوق للإمام زين العابدين ( ع )
الدعاء لا يوجه إلى مجهول . 2 - العلم واليقين بوحدانية اللّه ، وأنه تعالى النافع الضار الذي يملك العطاء والنجدة ، فلا يصح توجيه الدعاء إلى غيره ، ولا يستحق العبادة أحد سواه ، ولولا ذلك لما وجه إليه الدعاء إذ إنه لا يطلب الشيء إلا ممن يملك إعطاءه ، وفي هذا يقول تعالى : فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْواكُمْ « 1 » . 3 - الشعور الذاتي بالضعف والحاجة والفقر إلى اللّه سبحانه ، ولو لم يكن المرء شاعرا بذلك لما تقدم إلى اللّه تعالى بالدعاء ، وهذا من شأنه إظهار التذلل والتزام الطاعة لما افترض ، والعمل على ما يقرب إليه من البر والإحسان وكل ما يفيد الإنسان . فلا غرو إذا ما كان الدعاء بهذا المعنى هو الركن الأساسي لجميع الديانات ، وهو الأمر الذي فطرت النفوس عليه ، بل هو الأمر الذي من أجله خلق اللّه الجن والإنس حيث يقول تعالى : وَما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ « 2 » أي ليدعوني ، نتيجة معرفتهم لي ليكونوا على صلة تامة بي ويؤمنوا بي فيطيعوا أمري ويوقنوا بقدرتي ، وينتظروا مني تحقيق آمالهم . وقد عقب اللّه تعالى على هذه الآية بقوله : ما أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَما أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ ( 57 ) إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ « 3 » . أي إن اللّه تعالى لم يخلقهم إلا للاتصال به عن طريق معرفته وتوحيده وطاعة أمره واجتناب نواهيه ، والاعتراف بالحاجة إليه ليمنحهم ما يشاؤون ، واللّه تعالى لم يرد منهم العمل لإيجاد أساس الرزق ، فهو الرزاق الذي يسّره لعباده وتكفل لهم به ، وما عليهم إلا السعي لتناوله حيث يقول : هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَناكِبِها وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ « 4 » وما يريد منهم أن يقدموا لذاته شيئا من العبادات ليعود عليه نفعها ، فهو ذو القوة المتين الذي خلق كل شيء فلا حاجة له إلى شيء منهم فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعالَمِينَ « 5 » . ومما يؤيد أن الدعاء مخ العبادة ، وأنه ركن أساسي فيها ما يأتي :
--> ( 1 ) سورة محمد ، الآية 19 . ( 2 ) سورة الذاريات ، الآية 56 . ( 3 ) سورة الذاريات ، الآيتان 57 - 58 . ( 4 ) سورة الملك ، الآية 15 . ( 5 ) سورة آل عمران ، الآية 97 .